بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كوننا اتباع أهل البيت عليهم السلام فان لنا مرجعية فكرية ، نهتدي بهديها .
اهل البيت عليهم السلام رسموا لنا السلوك الاجتماعي بشكل عام ، وهذا الرسم نحن ملزمون به .
يبقى الإشكال حول وجوب ان يكون الحكم على هذا الرسم عن طريق الفقيه ، فالامر فيه تفصيل .
اذا لم يكن النص جليا أو كان النص معدوما فلا بد من تقليد الاعلم باستنباط الحكم الشرعي ، وهو الاكثر قدرة واستحضارا للأدلة الشرعية على انتاج الحكم من النصوص والقواعد المقررة.
أما اذا كان النص صحيحا وصريحا وجليا ، فيكون من ضرورات الدين ، وهذا الامر ليس فيه تقليد ، الا اذا كان معارضا بغيره فيتشابه المعنى فلن يكون من حق المكلف الاخذ به عند ذلك ، فان اساسيات الاسلام لا نعمل بها على اساس التقليد مثل وجوب العبادات المقررة او ان الصلاة تحتوي على ركوع أو ان صلاة المغرب ثلاث ركعات. فانها معلومات ضرورية في الدين لا يختلف عليها فقيه. ثم ان الفقيه لا يملك في هذا الظرف أن يتحرك في انتاج حكم ، لأنه حكم منتج جاهز لا يقبل التجزئة ، نعم حينما يتحوّل البحث الى الجزئيات او اختلاف النصوص وتعارضها أو فقدها فعند ذلك لا منجاة الا بتقليد الفقيه قلادة اعمالنا ، ليتحمل عنا وزرها إن كانت وزرا . ونعوذ الله من غضب الله على من يتحمل عن غيره بدون دليل.
نحن فرقة منضبطة بضوابط عقلية ونقلية كثيرة جدا، وما يجري على الساحة الاجتماعية والثقافية للافراد المتشيعين لاهل البيت عليهم السلام لا يمثل هذا الانضباط. ولا اقصد أنه يحضر علينا البحث او القناعة او التساؤل او كشف الحقيقة . فكل هذا في وادٍ آخر. وانما نقصد السلوك الذي يجب ان نتحلى به .
ان سلوكنا المؤمورون به هو ما حدده الائمة الاطهار ، وهو يتلخص في رسالة الامام الصادق عليه السلام الصحيحة الجلية المعنى المفصّلة بنظم سلوكنا. وهذا الرسم غير قابل للاجتهاد مقابله ، ومن يجتهد مقابل هذا النص الجلي فقد اتبع من خالف الله ورسوله والأئمة الطاهرين. فعلينا بفهم ما قرره لنا ائمتنا من السلوك ، فلا يبقى لنا الا الاتباع سواء بنية القربة تعبدا فنثاب بثوابين ، او بطريق التوصل فنثاب بثواب الامثتال .
وهذاهونص رسم سلوك الشيعي كما يريده الامام ، فان كنا ممتثلين فنحن شيعة ، وان لم نكن وكنا محبين للتشيع فعلينا توطين انفسنا للامتثال :
الكافي / الشيخ الكليني / ج 8 / ص 397 - 408 :
عن كتاب الوافي في آخره . علي ، عن أبيه ، عن ابن فضال ، عن حفص المؤذن ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، وعن ابن بزيع ، عن محمد بن سنان ، عن إسماعيل بن جابر ، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كتب بهذه الرسالة إلى أصحابه وأمرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها وكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها ، وعن ابن سماعة عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي عن القاسم بن الربيع الصحاف عن إسماعيل بن مخلد السراج قال : خرجت هذه الرسالة من أبي عبد الله عليه السلام إلى أصحابه :
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد فاسألوا الله ربكم العافية ، وعليكم بالدعة ([1]) , والوقار والسكينة ، وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون قبلكم ، وعليكم بمجاملة أهل الباطل ، تحملوا الضيم منهم ، وأياكم ومماظتهم ([2]) ، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام ؛ فانه لا بد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها ([3]) فيما بينكم وبينهم فإذا ابتليتم بذلك منهم , فإنهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر ولولا أن الله تعالى يدفعهم عنكم لسطوا بكم ([4]) وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدون لكم . مجالسكم ومجالسهم واحدة وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف ، لا تحبونهم أبدا ولا يحبونكم غير أن الله تعالى أكرمكم بالحق وبصركموه ولم يجعلهم من أهله فتجاملونهم وتصبرون عليهم وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شئ من أموركم ، تدفعون انتم السيئة بالتي هي أحسن فيما بينكم وبينهم تلتمسون بذلك وجه ربكم بطاعته وهم لا خير عندهم لا يحل لكم أن تظهروهم على أصول دين الله ؛ فإنه إن سمعوا منكم فيه شيئا عادوكم عليه ورفعوه عليكم وجاهدوا على هلاكهم واستقبلوكم بما تكرهون ولم يكن لكم النصف منهم في دول الفجار ، فاعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل فانه لا ينبغي لاهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل ؛ لان الله لم يجعل أهل الحق عنده بمنزلة أهل الباطل ، ألم تعرفوا وجه قول الله تعالى في كتابه إذ يقول : [ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ] أكرموا أنفسكم عن أهل الباطل فلا تجعلوا الله تعالى - وله المثل الاعلى - وإمامكم ودينكم الذي تدينون به عرضة لأهل الباطل فتغضبوا الله عليكم فتهلكوا ، فمهلا مهلا يا أهل الصلاح لا تتركوا أمر الله وأمر من أمركم بطاعته فيغير الله ما بكم من نعمه . أحبوا في الله من وصف صفتكم , وابغضوا في الله من خالفكم , وابذلوا مودتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم , ولا تبذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها وبغى لكم الغوائل ، هذا ادبنا ادب الله فخذوا به وتفهموه و اعقلوه ولا تنبذوه وراء ظهوركم ، ما وافق هداكم أخذتم به وما وافق هواكم اطرحتموه ولم تأخذوا به ، وإياكم والتجبر على الله واعلموا أن عبدا لم يبتل بالتجبر على الله الا تجبر على دين الله فاستقيموا لله ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين . أجارنا الله وإياكم من التجبر على الله ، ولا قوة لنا ولا لكم إلا بالله . وقال : إن العبد إذا كان خلقه الله في الاصل أصل الخلقة مؤمنا لم يمت حتى يكرِّه الله إليه الشر ويباعده منه , ومن كره الله إليه الشر وباعده منه , عافاه الله من الكِبر أن يدخله و الجبرية فلانت عريكته وحسن خلقه وطلق وجهه , وصار عليه وقار الاسلام [و ] سكينته وتخشعه , وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه , ورزقه الله مودة الناس و مجاملتهم وترك مقاطعة الناس والخصومات ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ . و إن العبد إذا كان الله خلقه في الاصل أصل الخلق كافرا لم يمت حتى يحبب إليه الشر ويقربه منه ، فإذا حبب إليه الشر وقربه منه , ابتلى بالكبر والجبرية , فقسا قلبه وساء خلقه , وغلظ وجهه , وظهر فحشه , وقل حياؤه , وكشف الله ستره , وركب المحارم فلم ينزع عنها , وركب معاصي الله , وأبغض طاعته وأهلها ، فبعد ما بين حال المؤمن وحال الكافر . سلوا الله العافية واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة الا بالله . صبِّروا النفس على البلاء في الدنيا فان تتابع البلاء فيها والشدة في طاعة الله وولايته وولاية من أمر بولايته خير عاقبة عند الله في الاخرة من ملك الدنيا وإن طال تتابع نعيمها وزهرتها وغضارة ([5]) عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته وطاعته , فإن الله أمر بولاية الائمة الذين سماهم في كتابه في قوله : [ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ] وهم الذين أمر الله بولايتهم وطاعتهم والذين نهى الله عن ولايتهم وطاعتهم وهم أئمة الضلال الذين قضى الله أن يكون لهم دول الدنيا على أولياء الله الائمة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليحق عليهم كلمة العذاب , وليتم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الاصل أصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الاصل ومن الذين سماهم الله في كتابه في قوله : [ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ] فتدبروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه , فان من جهل هذا وأشباهه مما افترض الله عليه في كتابه مما أمر به ونهى عنه , ترك دين الله وركب معاصيه فاستوجب سخط الله , فأكبه الله على وجهه في النار . وقال : أيتها العصابة المرحومة المفلحة إن الله تعالى أتم لكم ما آتاكم من الخير واعلموا أنه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس ، قد انزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ , وجعل للقران وتعلم القران أهلا لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن ياخذوا فيه بهوى ولا رأي ولا مقائيس . اغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم وكرامة من الله تعالى أكرمهم بها وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم , وهم الذين من سألهم وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم ، أرشدوه واعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى الله بإذنه والى جميع سبل الحق , وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم الذي أكرمهم الله به , وجعله عندهم الا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة ([6]) فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله تعالى علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم ، فأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان ؛ لانهم جعلوا أهل الايمان في علم القران عند الله كافرين , وجعلوا أهل الضلالة في علم القران عند الله مؤمنين , وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الامر حراما , وجعلوا ما حرم الله في كثير من الامر حلالا فذلك أصل ثمرة أهوائهم وقد عهد إليهم رسول الله ( عليه السلام )([7])قبل موته فقالوا : نحن بعدما قبض الله رسوله يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض الله تعالى رسوله وبعد عهده الذي عهده إلينا وأمرنا به ، مخالفة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فما أحد أجرأ على الله ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم أن ذلك يسعه . والله إن لله على خلقه أن يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعد موته . هل يستطيع اولئك أعداء الله ([8]) أن يزعموا أن أحدا ممن أسلم مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بقوله ورأيه ومقائيسه ؟ فإن قال : نعم فقد كذب على الله وضل ضلالا بعيدا , وإن قال : لا ، لم يكن لاحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه , فقد أقر بالحجة على نفسه وهو ممن يزعم أن الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال الله تعالى - وقوله الحق - : [ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ] وذلك ليعلموا أن الله تعالى يطاع ويتبع أمره في حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعد قبض الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وكما لم يكن لأحد من الناس مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه خلافا لامر محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكذلك لم يكن لاحد من الناس من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه . وقال : دعوا رفع أيديكم في الصلاة ([9]) إلا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة فان الناس قد شهروكم بذلك والله المستعان ولا حول ولا قوة الا بالله . وقال : أكثروا من أن تدعو الله فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه و قد وعد عباده المؤمنين بالاستجابة والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة فأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار فإن الله تعالى أمر بكثرة الذكر له والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين ، واعلموا أن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين الا ذكره بخير فاعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته فإن الله لا يدرك شئ من الخير عنده الا بطاعته واجتناب محارمه التي حرم الله تعالى في ظاهر القرآن وباطنه ([10]) فان الله تعالى قال في كتابه وقوله الحق : [ وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ] واعلموا أن ما أمر الله أن تجتنبوه فقد حرمه الله واتبعوا آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته فخذوا بها ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلوا فإن أضل الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدى من الله واحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم فإن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها ، وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا ([11]) بغير علم وقد ينبغي لكم أن تعلموا حد سبهم لله كيف هو ، إنه من سب أولياء الله فقد انتهك سب الله ومن أظلم عند الله من استسب لله ولاوليائه ، فمهلا مهلا فاتبعوا أمر الله ولا قوة الا بالله . وقال : أيتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم ([12]) عليكم بآثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته وآثار الائمة الهداة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعده وسنتهم فإنه من أخذ بذلك فقد اهتدى ومن ترك ذلك ورغب عنه ضل ؛ لانهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " المداومة على العمل في اتباع الآثار والسنن وإن قل أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الاهواء " الا إن اتباع الاهواء واتباع البدع بغير هدى من الله ضلال وكل ضلال بدعة و كل بدعة في النار ولن ينال شئ من الخير عند الله الا بطاعته والصبر والرضا ؛ لأن الصبر والرضا من طاعة الله . واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به على ما أحب وكره ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلا ما هو أهله وهو خير له مما أحب وكره وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وأياكم وعليكم بحب المساكين المسلمين فإنه من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر وماقت وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أمرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم " واعلموا أنه من حقر أحدا من المسلمين , ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس والله له أشد مقتا فاتقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين منهم فان لهم عليكم حقا أن تحبوههم فان الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بحبهم فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك , مات وهو من الغاوين . وإياكم والعظمة والكبر فإن الكبر رداء الله تعالى فمن نازع الله رداءه , قصمه الله وأذله يوم القيامة .
وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض فإنها ليست من خصال الصالحين فإنه من بغى صيَّر الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه ومن نصره الله غلب و أصاب الظفر من الله . وإياكم أن يحسد بعضكم بعضا فإن الكفر أصله الحسد . وإياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم فيستجاب له فيكم فان أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول :" إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة " وليعن بعضكم بعضا فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : " إن معونة المسلم خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام " . وإياكم وإعسار أحد من إخوانكم المؤمنين ([13]) أن تعسروه بالشئ يكون لكم قبله وهو معسر فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول :" ليس لمسلم أن يعسر مسلما ومن أنظر معسرا أظله الله يوم القيامة بظله يوم لا ظل إلا ظله " . وإياكم أيتها العصابة المرحومة المفضلة على من سواها وحبس حقوق الله قبلكم يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة فإنه من عجل حقوق الله قبله كان الله أقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والاجل وإنه من أخر حقوق الله قبله كان الله أقدر على تأخير رزقه ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه ، فأدوا إلى الله حق ما رزقكم يطيب لكم بقيته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الاضعاف الكثيرة التي لا يعلم بعددها ولا بكنه فضلها إلا الله رب العالمين .
وقال : ([14]) اتقوا الله أيتها العصابة وإن استطعتم ([15]) أن لا يكون منكم محرج للامام وإن محرج الامام هو الذي يسعى بأهل الصلاح ([16]) من أتباع الامام ، المسلمين لفضله , الصابرين على أداء حقه , العارفين بحرمته .
واعلموا أن من نزل بذلك المنزل عند الامام , فهو محرج للامام فإذا فعل ذلك عند الامام , أحرج الامام إلى أن يلعن أهل الصلاح من اتباعه المسلمين لفضله ، الصابرين على أداء حقه ، العارفين بحرمته ، فإذا لعنهم لاحراج اعداء الله الامام صارت لعنته رحمة من الله عليهم , وصارت اللعنة من الله ومن الملائكة ورسوله على أولئك . واعلموا أيتها العصابة أن السنة من الله قد جرت في الصالحين ([17]) قبل . وقال : من سره أن يلقى الله وهو مؤمن حقا حقا فليتول الله ورسوله والذين آمنوا , وليبرأ إلى الله من عدوهم وليسلم لما انتهى إليه من فضلهم ؛ لأن فضلهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك ، ألم تسمعوا ما ذكر الله من فضل اتباع الائمة الهداة وهم المؤمنون . قال : [ أُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ] فهذا وجه من وجوه فضل أتباع الائمة فكيف بهم وفضلهم ؟ ومن سره أن يتم الله له إيمانه حتى يكون مؤمنا حقا حقا فليف لله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين فإنه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية أئمة المؤمنين ( عليهم السلام ) إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإقراض الله قرضا حسنا واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن فلم يبق شئ مما فسر مما حرم الله الا وقد دخل في جملة قوله . فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصا لله ولم يرخص لنفسه في ترك شئ من هذا , فهو عند الله في حزبه الغالبين وهو من المؤمنين حقا . وإياكم والاصرار على شئ مما حرم الله في ظهر القرآن وبطنه وقد قال الله : [ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ] [ إلى ههنا رواية القاسم بن الربيع ] ([18])يعني المؤمنين قبلكم إذا نسوا شيئا مما اشترط الله في كتابه , عرفوا أنهم قد عصوا الله في تركهم ذلك الشئ فاستغفروا ولم يعودوا إلى تركه فذلك معنى قول الله تعالى : [ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ] .
واعلموا أنه إنما أمر ونهى ليطاع فيما أمر به ولينتهى عما نهى عنه ، فمن اتبع أمره فقد أطاعه وقد أدرك كل شئ من الخير عنده ومن لم ينته عما نهى الله عنه , فقد عصاه فإن مات على معصيته , أكبه الله على وجهه في النار . واعلموا أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه ملك مقرب , ولا نبي مرسل , ولا من دون ذلك من خلقه كلهم الا طاعتهم له ، فجدوا في طاعة الله إن سركم أن تكونوا مؤمنين حقا حقا ولا قوة الا بالله .
وقال : ([19]) عليكم بطاعة ربكم ما استطعتم فإن الله ربكم واعلموا أن الاسلام هو التسليم , والتسليم هو الاسلام فمن سلم , فقد أسلم ومن لم يسلم , فلا إسلام له ومن سره أن يبلغ إلى نفسه في الإحسان , فليطع الله فإنه من أطاع الله , فقد أبلغ إلى نفسه في الإحسان . وإياكم ومعاصي الله أن تركبوها ؛ فإنه من انتهك معاصي الله فركبها , فقد أبلغ في الإساءة إلى نفسه وليس بين الإحسان والإساءة منزلة فلأهل الإحسان عند ربهم الجنة , ولأهل الإساءة عند ربهم النار ، فاعملوا بطاعة الله , واجتنبوا معاصيه , واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئا لا ملك مقرب , ولا نبي مرسل , ولا من دون ذلك . فمن سره أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله , فليطلب إلى الله أن يرضى عنه . واعلموا أن أحدا من خلق الله لم يصب رضا الله إلا بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة أمره من آل محمد ( صلى الله عليهم ) ومعصيتهم من معصية الله , ولم ينكر لهم فضلا عظم ولا صغر . واعلموا أن المنكرين هم المكذبون وأن المكذبين هم المنافقون وأن الله تعالى قال للمنافقين وقوله الحق : [ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ] ولا يفرقن أحد منكم ([20]) ألزم الله قلبه طاعته وخشيته من أحد من الناس أخرجه الله من صفة الحق ولم يجعله من أهلها ، فإن من لم يجعله الله من أهل صفة الحق , فأولئك هم شياطين الانس والجن ([21]) فان لشياطين الانس حيلا ومكرا وخدائع ووسوسة بعضهم إلى بعض يريدون إن استطاعوا أن يردوا أهل الحق عما أكرمهم الله به من النظر في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الانس من أهله أرادة أن يستوي أعداء الله وأهل الحق في الشك والانكار والتكذيب فيكونون سواءا كما وصف الله في كتابه من قوله سبحانه : [ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ] ثم نهى الله أهل النصر بالحق أن يتخذوا من أعداء الله وليا ولا نصيرا . فلا يهولنكم ولا يردنكم عن النصر بالحق الذي خصكم الله له به من حيلة شياطين الانس ومكرهم وحيلهم و وساوس بعضهم إلى بعض فإن أعداء الله إن استطاعوا صدوكم عن الحق فيعصمكم الله من ذلك فاتقوا الله وكفوا السنتكم إلا من خير , وإياكم أن تذلقوا السنتكم ([22]) بقول الزور والبهتان والاثم والعدوان فإنكم إن كففتم السنتكم عما يكره الله مما نهاكم عنه , كان خيرا لكم عند ربكم من أن تذلقوا ألسنتكم به فإن ذلق اللسان فيما يكره الله وفيما ينهى عنه لدناءة ([23]) للعبد عند الله , ومقت من الله , وصمم وعمى وبكم يورثه الله إياه يوم القيامة فيصيروا كما قال الله : [ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ] ( يعني لا ينطقون ) [ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ] ([24]) . وإياكم وما نهاكم الله عنه أن تركبوه , وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به في أمر آخرتكم ويؤجركم عليه . وأكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على الله والتضرع إليه و الرغبة فما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد , فاشغلوا ألسنتكم بذلك عما نهى الله عنه من أقاويل الباطل التي تعقب أهلها خلودا في النار لمن مات عليها , ولم يتب إلى الله منها , ولم ينزع عليها ، وعليكم بالدعاء فإن المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى الله والمسألة له فارغبوا فيما رغبكم الله فيه , وأجيبوا الله إلى ما دعاكم إليه لتفلحوا وتنجوا من عذاب الله . وإياكم أن تشره أنفسكم ([25]) إلى شئ مما حرم الله عليكم ؛ فإنه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لاهل الجنة أبد الآبدين . واعلموا أنه بئس الحظ ([26]) الخطر لمن خاطر بترك طاعة الله وركوب معصيته فاختار أن ينتهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زائلة عن أهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة أهلها ويل لاولئك ما أخيب حظهم وأخسر كرتهم ([27]) وأسوأ حالهم عند ربهم يوم القيامة ، استجيروا الله أن يجريكم في مثالهم أبدا , وأن يبتليكم بما ابتلاهم به ولا قوة لنا ولكم إلا به . فاتقوا الله أيتها العصابة الناجية إن أتم الله لكم ما أعطاكم , فإنه لا يتم الامر حتى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم وحتى تبتلوا في أنفسكم وأموالكم وحتى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا فتصبروا وتعركوا بجنوبكم وحتى يستذلوكم أو يبغضوكم وحتى يحملوا عليكم الضيم فتحتملوه منهم تلتمسون بذلك وجه الله والدار الاخرة وحتى تكظموا الغيظ الشديد في الاذى في الله يجترمونه إليكم وحتى يكذبوكم بالحق ويعادوكم فيه ويبغضوكم عليه فتصبروا على ذلك منهم ومصداق ذلك كله في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل على نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم سمعتم قول الله تعالى لنبيكم صلى الله عليه وآله وسلم : [ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ] ثم قال : [ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ] , [ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا ] , فقد كذب نبي الله والرسل من قبله وأوذوا مع التكذيب بالحق ، فإن سركم أن تكونوا مع نبي الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرسل من قبله فتدبروا ما قص الله عليكم في كتابه مما ابتلى أنبياءه وأتباعهم المؤمنين ثم سلوا الله أن يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء والشدة والرخاء مثل الذي أعطاهم . وإياكم ومماظة أهل الباطل وعليكم بهدي الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم ، واعلموا أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا شرح صدره للاسلام ، فإذا أعطاه ذلك نطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به فإذا جمع الله له ذلك , تم إسلامه وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا وإذا لم يرد الله بعبد خيرا , وكله إلى نفسه وكان صدره ضيقا حرجا فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعط الله العمل به ، فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه .
فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للاسلام وأن يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وأنتم على ذلك وأن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم . ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين . ومن سره أن يعلم أن الله عز وجل يحبه , فليعمل بطاعة الله وليتبعنا ألم يسمع قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : [ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ] والله لا يطيع الله عبد أبدا إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا ولا والله لا يتبعنا عبد أبدا إلا أحبه الله وإلا والله لا يدع اتباعنا أحد أبدا إلا أبغضنا , ولا والله لا يبغضنا أحد أبدا إلا عصى الله ومن مات عاصيا لله , أخزاه الله , وأكبه على وجهه في النار والحمد لله رب العالمين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كوننا اتباع أهل البيت عليهم السلام فان لنا مرجعية فكرية ، نهتدي بهديها .
اهل البيت عليهم السلام رسموا لنا السلوك الاجتماعي بشكل عام ، وهذا الرسم نحن ملزمون به .
يبقى الإشكال حول وجوب ان يكون الحكم على هذا الرسم عن طريق الفقيه ، فالامر فيه تفصيل .
اذا لم يكن النص جليا أو كان النص معدوما فلا بد من تقليد الاعلم باستنباط الحكم الشرعي ، وهو الاكثر قدرة واستحضارا للأدلة الشرعية على انتاج الحكم من النصوص والقواعد المقررة.
أما اذا كان النص صحيحا وصريحا وجليا ، فيكون من ضرورات الدين ، وهذا الامر ليس فيه تقليد ، الا اذا كان معارضا بغيره فيتشابه المعنى فلن يكون من حق المكلف الاخذ به عند ذلك ، فان اساسيات الاسلام لا نعمل بها على اساس التقليد مثل وجوب العبادات المقررة او ان الصلاة تحتوي على ركوع أو ان صلاة المغرب ثلاث ركعات. فانها معلومات ضرورية في الدين لا يختلف عليها فقيه. ثم ان الفقيه لا يملك في هذا الظرف أن يتحرك في انتاج حكم ، لأنه حكم منتج جاهز لا يقبل التجزئة ، نعم حينما يتحوّل البحث الى الجزئيات او اختلاف النصوص وتعارضها أو فقدها فعند ذلك لا منجاة الا بتقليد الفقيه قلادة اعمالنا ، ليتحمل عنا وزرها إن كانت وزرا . ونعوذ الله من غضب الله على من يتحمل عن غيره بدون دليل.
نحن فرقة منضبطة بضوابط عقلية ونقلية كثيرة جدا، وما يجري على الساحة الاجتماعية والثقافية للافراد المتشيعين لاهل البيت عليهم السلام لا يمثل هذا الانضباط. ولا اقصد أنه يحضر علينا البحث او القناعة او التساؤل او كشف الحقيقة . فكل هذا في وادٍ آخر. وانما نقصد السلوك الذي يجب ان نتحلى به .
ان سلوكنا المؤمورون به هو ما حدده الائمة الاطهار ، وهو يتلخص في رسالة الامام الصادق عليه السلام الصحيحة الجلية المعنى المفصّلة بنظم سلوكنا. وهذا الرسم غير قابل للاجتهاد مقابله ، ومن يجتهد مقابل هذا النص الجلي فقد اتبع من خالف الله ورسوله والأئمة الطاهرين. فعلينا بفهم ما قرره لنا ائمتنا من السلوك ، فلا يبقى لنا الا الاتباع سواء بنية القربة تعبدا فنثاب بثوابين ، او بطريق التوصل فنثاب بثواب الامثتال .
وهذاهونص رسم سلوك الشيعي كما يريده الامام ، فان كنا ممتثلين فنحن شيعة ، وان لم نكن وكنا محبين للتشيع فعلينا توطين انفسنا للامتثال :
الكافي / الشيخ الكليني / ج 8 / ص 397 - 408 :
عن كتاب الوافي في آخره . علي ، عن أبيه ، عن ابن فضال ، عن حفص المؤذن ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، وعن ابن بزيع ، عن محمد بن سنان ، عن إسماعيل بن جابر ، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كتب بهذه الرسالة إلى أصحابه وأمرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها وكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها ، وعن ابن سماعة عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي عن القاسم بن الربيع الصحاف عن إسماعيل بن مخلد السراج قال : خرجت هذه الرسالة من أبي عبد الله عليه السلام إلى أصحابه :
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد فاسألوا الله ربكم العافية ، وعليكم بالدعة ([1]) , والوقار والسكينة ، وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون قبلكم ، وعليكم بمجاملة أهل الباطل ، تحملوا الضيم منهم ، وأياكم ومماظتهم ([2]) ، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام ؛ فانه لا بد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها ([3]) فيما بينكم وبينهم فإذا ابتليتم بذلك منهم , فإنهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر ولولا أن الله تعالى يدفعهم عنكم لسطوا بكم ([4]) وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدون لكم . مجالسكم ومجالسهم واحدة وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف ، لا تحبونهم أبدا ولا يحبونكم غير أن الله تعالى أكرمكم بالحق وبصركموه ولم يجعلهم من أهله فتجاملونهم وتصبرون عليهم وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شئ من أموركم ، تدفعون انتم السيئة بالتي هي أحسن فيما بينكم وبينهم تلتمسون بذلك وجه ربكم بطاعته وهم لا خير عندهم لا يحل لكم أن تظهروهم على أصول دين الله ؛ فإنه إن سمعوا منكم فيه شيئا عادوكم عليه ورفعوه عليكم وجاهدوا على هلاكهم واستقبلوكم بما تكرهون ولم يكن لكم النصف منهم في دول الفجار ، فاعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل فانه لا ينبغي لاهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل ؛ لان الله لم يجعل أهل الحق عنده بمنزلة أهل الباطل ، ألم تعرفوا وجه قول الله تعالى في كتابه إذ يقول : [ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ] أكرموا أنفسكم عن أهل الباطل فلا تجعلوا الله تعالى - وله المثل الاعلى - وإمامكم ودينكم الذي تدينون به عرضة لأهل الباطل فتغضبوا الله عليكم فتهلكوا ، فمهلا مهلا يا أهل الصلاح لا تتركوا أمر الله وأمر من أمركم بطاعته فيغير الله ما بكم من نعمه . أحبوا في الله من وصف صفتكم , وابغضوا في الله من خالفكم , وابذلوا مودتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم , ولا تبذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها وبغى لكم الغوائل ، هذا ادبنا ادب الله فخذوا به وتفهموه و اعقلوه ولا تنبذوه وراء ظهوركم ، ما وافق هداكم أخذتم به وما وافق هواكم اطرحتموه ولم تأخذوا به ، وإياكم والتجبر على الله واعلموا أن عبدا لم يبتل بالتجبر على الله الا تجبر على دين الله فاستقيموا لله ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين . أجارنا الله وإياكم من التجبر على الله ، ولا قوة لنا ولا لكم إلا بالله . وقال : إن العبد إذا كان خلقه الله في الاصل أصل الخلقة مؤمنا لم يمت حتى يكرِّه الله إليه الشر ويباعده منه , ومن كره الله إليه الشر وباعده منه , عافاه الله من الكِبر أن يدخله و الجبرية فلانت عريكته وحسن خلقه وطلق وجهه , وصار عليه وقار الاسلام [و ] سكينته وتخشعه , وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه , ورزقه الله مودة الناس و مجاملتهم وترك مقاطعة الناس والخصومات ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ . و إن العبد إذا كان الله خلقه في الاصل أصل الخلق كافرا لم يمت حتى يحبب إليه الشر ويقربه منه ، فإذا حبب إليه الشر وقربه منه , ابتلى بالكبر والجبرية , فقسا قلبه وساء خلقه , وغلظ وجهه , وظهر فحشه , وقل حياؤه , وكشف الله ستره , وركب المحارم فلم ينزع عنها , وركب معاصي الله , وأبغض طاعته وأهلها ، فبعد ما بين حال المؤمن وحال الكافر . سلوا الله العافية واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة الا بالله . صبِّروا النفس على البلاء في الدنيا فان تتابع البلاء فيها والشدة في طاعة الله وولايته وولاية من أمر بولايته خير عاقبة عند الله في الاخرة من ملك الدنيا وإن طال تتابع نعيمها وزهرتها وغضارة ([5]) عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته وطاعته , فإن الله أمر بولاية الائمة الذين سماهم في كتابه في قوله : [ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ] وهم الذين أمر الله بولايتهم وطاعتهم والذين نهى الله عن ولايتهم وطاعتهم وهم أئمة الضلال الذين قضى الله أن يكون لهم دول الدنيا على أولياء الله الائمة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليحق عليهم كلمة العذاب , وليتم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الاصل أصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الاصل ومن الذين سماهم الله في كتابه في قوله : [ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ] فتدبروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه , فان من جهل هذا وأشباهه مما افترض الله عليه في كتابه مما أمر به ونهى عنه , ترك دين الله وركب معاصيه فاستوجب سخط الله , فأكبه الله على وجهه في النار . وقال : أيتها العصابة المرحومة المفلحة إن الله تعالى أتم لكم ما آتاكم من الخير واعلموا أنه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس ، قد انزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ , وجعل للقران وتعلم القران أهلا لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن ياخذوا فيه بهوى ولا رأي ولا مقائيس . اغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم وكرامة من الله تعالى أكرمهم بها وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم , وهم الذين من سألهم وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم ، أرشدوه واعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى الله بإذنه والى جميع سبل الحق , وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم الذي أكرمهم الله به , وجعله عندهم الا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة ([6]) فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله تعالى علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم ، فأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان ؛ لانهم جعلوا أهل الايمان في علم القران عند الله كافرين , وجعلوا أهل الضلالة في علم القران عند الله مؤمنين , وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الامر حراما , وجعلوا ما حرم الله في كثير من الامر حلالا فذلك أصل ثمرة أهوائهم وقد عهد إليهم رسول الله ( عليه السلام )([7])قبل موته فقالوا : نحن بعدما قبض الله رسوله يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض الله تعالى رسوله وبعد عهده الذي عهده إلينا وأمرنا به ، مخالفة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فما أحد أجرأ على الله ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم أن ذلك يسعه . والله إن لله على خلقه أن يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعد موته . هل يستطيع اولئك أعداء الله ([8]) أن يزعموا أن أحدا ممن أسلم مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بقوله ورأيه ومقائيسه ؟ فإن قال : نعم فقد كذب على الله وضل ضلالا بعيدا , وإن قال : لا ، لم يكن لاحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه , فقد أقر بالحجة على نفسه وهو ممن يزعم أن الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال الله تعالى - وقوله الحق - : [ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ] وذلك ليعلموا أن الله تعالى يطاع ويتبع أمره في حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعد قبض الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وكما لم يكن لأحد من الناس مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه خلافا لامر محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكذلك لم يكن لاحد من الناس من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه . وقال : دعوا رفع أيديكم في الصلاة ([9]) إلا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة فان الناس قد شهروكم بذلك والله المستعان ولا حول ولا قوة الا بالله . وقال : أكثروا من أن تدعو الله فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه و قد وعد عباده المؤمنين بالاستجابة والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة فأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار فإن الله تعالى أمر بكثرة الذكر له والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين ، واعلموا أن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين الا ذكره بخير فاعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته فإن الله لا يدرك شئ من الخير عنده الا بطاعته واجتناب محارمه التي حرم الله تعالى في ظاهر القرآن وباطنه ([10]) فان الله تعالى قال في كتابه وقوله الحق : [ وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ] واعلموا أن ما أمر الله أن تجتنبوه فقد حرمه الله واتبعوا آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته فخذوا بها ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلوا فإن أضل الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدى من الله واحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم فإن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها ، وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا ([11]) بغير علم وقد ينبغي لكم أن تعلموا حد سبهم لله كيف هو ، إنه من سب أولياء الله فقد انتهك سب الله ومن أظلم عند الله من استسب لله ولاوليائه ، فمهلا مهلا فاتبعوا أمر الله ولا قوة الا بالله . وقال : أيتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم ([12]) عليكم بآثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته وآثار الائمة الهداة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعده وسنتهم فإنه من أخذ بذلك فقد اهتدى ومن ترك ذلك ورغب عنه ضل ؛ لانهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " المداومة على العمل في اتباع الآثار والسنن وإن قل أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الاهواء " الا إن اتباع الاهواء واتباع البدع بغير هدى من الله ضلال وكل ضلال بدعة و كل بدعة في النار ولن ينال شئ من الخير عند الله الا بطاعته والصبر والرضا ؛ لأن الصبر والرضا من طاعة الله . واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به على ما أحب وكره ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلا ما هو أهله وهو خير له مما أحب وكره وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وأياكم وعليكم بحب المساكين المسلمين فإنه من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر وماقت وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أمرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم " واعلموا أنه من حقر أحدا من المسلمين , ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس والله له أشد مقتا فاتقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين منهم فان لهم عليكم حقا أن تحبوههم فان الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بحبهم فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك , مات وهو من الغاوين . وإياكم والعظمة والكبر فإن الكبر رداء الله تعالى فمن نازع الله رداءه , قصمه الله وأذله يوم القيامة .
وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض فإنها ليست من خصال الصالحين فإنه من بغى صيَّر الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه ومن نصره الله غلب و أصاب الظفر من الله . وإياكم أن يحسد بعضكم بعضا فإن الكفر أصله الحسد . وإياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم فيستجاب له فيكم فان أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول :" إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة " وليعن بعضكم بعضا فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : " إن معونة المسلم خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام " . وإياكم وإعسار أحد من إخوانكم المؤمنين ([13]) أن تعسروه بالشئ يكون لكم قبله وهو معسر فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول :" ليس لمسلم أن يعسر مسلما ومن أنظر معسرا أظله الله يوم القيامة بظله يوم لا ظل إلا ظله " . وإياكم أيتها العصابة المرحومة المفضلة على من سواها وحبس حقوق الله قبلكم يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة فإنه من عجل حقوق الله قبله كان الله أقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والاجل وإنه من أخر حقوق الله قبله كان الله أقدر على تأخير رزقه ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه ، فأدوا إلى الله حق ما رزقكم يطيب لكم بقيته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الاضعاف الكثيرة التي لا يعلم بعددها ولا بكنه فضلها إلا الله رب العالمين .
وقال : ([14]) اتقوا الله أيتها العصابة وإن استطعتم ([15]) أن لا يكون منكم محرج للامام وإن محرج الامام هو الذي يسعى بأهل الصلاح ([16]) من أتباع الامام ، المسلمين لفضله , الصابرين على أداء حقه , العارفين بحرمته .
واعلموا أن من نزل بذلك المنزل عند الامام , فهو محرج للامام فإذا فعل ذلك عند الامام , أحرج الامام إلى أن يلعن أهل الصلاح من اتباعه المسلمين لفضله ، الصابرين على أداء حقه ، العارفين بحرمته ، فإذا لعنهم لاحراج اعداء الله الامام صارت لعنته رحمة من الله عليهم , وصارت اللعنة من الله ومن الملائكة ورسوله على أولئك . واعلموا أيتها العصابة أن السنة من الله قد جرت في الصالحين ([17]) قبل . وقال : من سره أن يلقى الله وهو مؤمن حقا حقا فليتول الله ورسوله والذين آمنوا , وليبرأ إلى الله من عدوهم وليسلم لما انتهى إليه من فضلهم ؛ لأن فضلهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك ، ألم تسمعوا ما ذكر الله من فضل اتباع الائمة الهداة وهم المؤمنون . قال : [ أُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ] فهذا وجه من وجوه فضل أتباع الائمة فكيف بهم وفضلهم ؟ ومن سره أن يتم الله له إيمانه حتى يكون مؤمنا حقا حقا فليف لله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين فإنه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية أئمة المؤمنين ( عليهم السلام ) إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإقراض الله قرضا حسنا واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن فلم يبق شئ مما فسر مما حرم الله الا وقد دخل في جملة قوله . فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصا لله ولم يرخص لنفسه في ترك شئ من هذا , فهو عند الله في حزبه الغالبين وهو من المؤمنين حقا . وإياكم والاصرار على شئ مما حرم الله في ظهر القرآن وبطنه وقد قال الله : [ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ] [ إلى ههنا رواية القاسم بن الربيع ] ([18])يعني المؤمنين قبلكم إذا نسوا شيئا مما اشترط الله في كتابه , عرفوا أنهم قد عصوا الله في تركهم ذلك الشئ فاستغفروا ولم يعودوا إلى تركه فذلك معنى قول الله تعالى : [ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ] .
واعلموا أنه إنما أمر ونهى ليطاع فيما أمر به ولينتهى عما نهى عنه ، فمن اتبع أمره فقد أطاعه وقد أدرك كل شئ من الخير عنده ومن لم ينته عما نهى الله عنه , فقد عصاه فإن مات على معصيته , أكبه الله على وجهه في النار . واعلموا أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه ملك مقرب , ولا نبي مرسل , ولا من دون ذلك من خلقه كلهم الا طاعتهم له ، فجدوا في طاعة الله إن سركم أن تكونوا مؤمنين حقا حقا ولا قوة الا بالله .
وقال : ([19]) عليكم بطاعة ربكم ما استطعتم فإن الله ربكم واعلموا أن الاسلام هو التسليم , والتسليم هو الاسلام فمن سلم , فقد أسلم ومن لم يسلم , فلا إسلام له ومن سره أن يبلغ إلى نفسه في الإحسان , فليطع الله فإنه من أطاع الله , فقد أبلغ إلى نفسه في الإحسان . وإياكم ومعاصي الله أن تركبوها ؛ فإنه من انتهك معاصي الله فركبها , فقد أبلغ في الإساءة إلى نفسه وليس بين الإحسان والإساءة منزلة فلأهل الإحسان عند ربهم الجنة , ولأهل الإساءة عند ربهم النار ، فاعملوا بطاعة الله , واجتنبوا معاصيه , واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئا لا ملك مقرب , ولا نبي مرسل , ولا من دون ذلك . فمن سره أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله , فليطلب إلى الله أن يرضى عنه . واعلموا أن أحدا من خلق الله لم يصب رضا الله إلا بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة أمره من آل محمد ( صلى الله عليهم ) ومعصيتهم من معصية الله , ولم ينكر لهم فضلا عظم ولا صغر . واعلموا أن المنكرين هم المكذبون وأن المكذبين هم المنافقون وأن الله تعالى قال للمنافقين وقوله الحق : [ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ] ولا يفرقن أحد منكم ([20]) ألزم الله قلبه طاعته وخشيته من أحد من الناس أخرجه الله من صفة الحق ولم يجعله من أهلها ، فإن من لم يجعله الله من أهل صفة الحق , فأولئك هم شياطين الانس والجن ([21]) فان لشياطين الانس حيلا ومكرا وخدائع ووسوسة بعضهم إلى بعض يريدون إن استطاعوا أن يردوا أهل الحق عما أكرمهم الله به من النظر في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الانس من أهله أرادة أن يستوي أعداء الله وأهل الحق في الشك والانكار والتكذيب فيكونون سواءا كما وصف الله في كتابه من قوله سبحانه : [ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ] ثم نهى الله أهل النصر بالحق أن يتخذوا من أعداء الله وليا ولا نصيرا . فلا يهولنكم ولا يردنكم عن النصر بالحق الذي خصكم الله له به من حيلة شياطين الانس ومكرهم وحيلهم و وساوس بعضهم إلى بعض فإن أعداء الله إن استطاعوا صدوكم عن الحق فيعصمكم الله من ذلك فاتقوا الله وكفوا السنتكم إلا من خير , وإياكم أن تذلقوا السنتكم ([22]) بقول الزور والبهتان والاثم والعدوان فإنكم إن كففتم السنتكم عما يكره الله مما نهاكم عنه , كان خيرا لكم عند ربكم من أن تذلقوا ألسنتكم به فإن ذلق اللسان فيما يكره الله وفيما ينهى عنه لدناءة ([23]) للعبد عند الله , ومقت من الله , وصمم وعمى وبكم يورثه الله إياه يوم القيامة فيصيروا كما قال الله : [ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ] ( يعني لا ينطقون ) [ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ] ([24]) . وإياكم وما نهاكم الله عنه أن تركبوه , وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به في أمر آخرتكم ويؤجركم عليه . وأكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على الله والتضرع إليه و الرغبة فما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد , فاشغلوا ألسنتكم بذلك عما نهى الله عنه من أقاويل الباطل التي تعقب أهلها خلودا في النار لمن مات عليها , ولم يتب إلى الله منها , ولم ينزع عليها ، وعليكم بالدعاء فإن المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى الله والمسألة له فارغبوا فيما رغبكم الله فيه , وأجيبوا الله إلى ما دعاكم إليه لتفلحوا وتنجوا من عذاب الله . وإياكم أن تشره أنفسكم ([25]) إلى شئ مما حرم الله عليكم ؛ فإنه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لاهل الجنة أبد الآبدين . واعلموا أنه بئس الحظ ([26]) الخطر لمن خاطر بترك طاعة الله وركوب معصيته فاختار أن ينتهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زائلة عن أهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة أهلها ويل لاولئك ما أخيب حظهم وأخسر كرتهم ([27]) وأسوأ حالهم عند ربهم يوم القيامة ، استجيروا الله أن يجريكم في مثالهم أبدا , وأن يبتليكم بما ابتلاهم به ولا قوة لنا ولكم إلا به . فاتقوا الله أيتها العصابة الناجية إن أتم الله لكم ما أعطاكم , فإنه لا يتم الامر حتى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم وحتى تبتلوا في أنفسكم وأموالكم وحتى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا فتصبروا وتعركوا بجنوبكم وحتى يستذلوكم أو يبغضوكم وحتى يحملوا عليكم الضيم فتحتملوه منهم تلتمسون بذلك وجه الله والدار الاخرة وحتى تكظموا الغيظ الشديد في الاذى في الله يجترمونه إليكم وحتى يكذبوكم بالحق ويعادوكم فيه ويبغضوكم عليه فتصبروا على ذلك منهم ومصداق ذلك كله في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل على نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم سمعتم قول الله تعالى لنبيكم صلى الله عليه وآله وسلم : [ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ] ثم قال : [ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ] , [ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا ] , فقد كذب نبي الله والرسل من قبله وأوذوا مع التكذيب بالحق ، فإن سركم أن تكونوا مع نبي الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرسل من قبله فتدبروا ما قص الله عليكم في كتابه مما ابتلى أنبياءه وأتباعهم المؤمنين ثم سلوا الله أن يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء والشدة والرخاء مثل الذي أعطاهم . وإياكم ومماظة أهل الباطل وعليكم بهدي الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم ، واعلموا أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا شرح صدره للاسلام ، فإذا أعطاه ذلك نطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به فإذا جمع الله له ذلك , تم إسلامه وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا وإذا لم يرد الله بعبد خيرا , وكله إلى نفسه وكان صدره ضيقا حرجا فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعط الله العمل به ، فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه .
فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للاسلام وأن يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وأنتم على ذلك وأن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم . ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين . ومن سره أن يعلم أن الله عز وجل يحبه , فليعمل بطاعة الله وليتبعنا ألم يسمع قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : [ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ] والله لا يطيع الله عبد أبدا إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا ولا والله لا يتبعنا عبد أبدا إلا أحبه الله وإلا والله لا يدع اتباعنا أحد أبدا إلا أبغضنا , ولا والله لا يبغضنا أحد أبدا إلا عصى الله ومن مات عاصيا لله , أخزاه الله , وأكبه على وجهه في النار والحمد لله رب العالمين .
انتهى نص الرسالة الشريفة ، وليس لنا ان نقول شيئا ، غير ان ما نراه على الساحة لا يتطابق مع توجيهات مولانا صلوات الله عليه . فعلينا بحسن الاسلام وتمام التشيع.
أوصيكم ونفسي بعدم مغادرة منبع العلم والفضيلة ومدار الامر الالهي والقرار الديني الخالص بعيدا عن طمع الطامعين وسياسة الجائرين.
الهوامش :
([1]) الدعة : خفض العيش والطمأنينة.
([2]) المجاملة : المعاملة بالجميل. والضيم : الظلم. والمماظة : - بالمعجمة - : شدة المنازعة والمخاصمة مع طول اللزوم.
([3]) " بالتقية " متعلق بدينوا وما بينهما معترض.
(4) السطو : القهر بالبطش.
([5]) زهرة الدنيا : حسنها وبهجتها. وغضارة العيش : طيبها ولذتها.
([6]) أي أظلة العرش يوم الميثاق ولعله أشير به إلى عالم الذر.
(7) يعني بالنص على الوصي صلوات الله عليهما.
([8]) الغرض من هذا الكلام إلى آخره أن يبين أنه لا فرق بين زمان حياته صلى الله عليه وآله وسلم وموته في عدم جواز العمل بالرأي كما أنه لا فرق بينهما في وجوب طاعة الله واتباع أمره.
([9]) انما أمر عليه السلام أصحابه بالتقية في رفع الأيدي في الصلاة ؛ لأنه كان يومئذ من علامات التشيع.
([10]) لعل المراد مما حرم الله تعالى في باطن القرآن مخالفة ولي الامر ومتابعة أهل الضلال واتباع آرائهم واعتقاد الولاية فيهم وذلك لان ثلث القرآن ورد فيهم كما ورد عنهم (عليهم السلام) وهو المراد بباطن الاثم أو هو أحد أفراده.
([11]) عدوا أي تجاوزا عن الحق إلى الباطل .[ بِغَيْرِ عِلْمٍ ] أي على جهالة بالله، أشار بذلك إلى قوله سبحانه : [ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ] .
([12]) لعل المراد به حفظ أمر دينهم باقامة إمام لهم بعد إمام ومع غيبة إمامهم بتبليغ كلام أئمتهم إليهم وإبقاء آثارهم لديهم لئلا يحتاجوا إلى الآراء والاهواء والمقائيس.
([13]) إعسار الغريم أن يطلب منه الدين على عسرته.
([14]) كذا.
([15]) جواب (أن) محذوف يدل عليه ما بعده. وإحراج الامام : إلجاؤه إلى ما لا يريد من الحرج بمعنى الضيق.
([16]) يعني إلى الامام من السعاية . يقال : سعى به إلى الوالى إذا وشى به إليه.
([17]) يعني أن هذه السنة قد جرت فيهم قبل ذلك فيمن سلف من الامم بأن يسعى بهم إلى الامام فيلعنوا فإذا لعنوا صارت اللعنة عليهم رحمة.
([18]) " إلى هنا رواية قاسم بن الربيع " قال المجلسي - رحمه الله - : أي ما يذكر بعده لم يكن في رواية القاسم بل كان في رواية حفص واسماعيل.
([19]) كذا.
([20]) " يفرقن " من الفرق - بالتحريك - بمعنى الخوف.
([21]) يعني شياطين الانس إن كانوا من الانس، وشياطين الجن إن كانوا من الجن.
([22]) ذلق اللسان : حدته.
([23]) في بعض النسخ ( لذراءة ) بالذال المعجمة والراء بمعنى الغضب.
([24]) " فيعتذرون " عطف على يؤذن ليدل على نفي الاذن والاعتذار عقيبه مطلقا ولو جعل جوابا لدل على أن عدم اعتذارهم لعدم الاذن فأوهم ذلك أن لهم عذرا لكن لا يؤذن لهم فيه.
([25]) الشره : غلبة الحرص.
([26]) في بعض النسخ ( بئس الخطر الخطر ) ولعله أصوب.
([27]) يعني رجوعهم إلى الله تعالى.